العيني

141

عمدة القاري

جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره لرجع ذو اليدين حين قال : ( لم تقصر ولم أنس ) . قلت : هذا ليس بجواب مخلص لأنه لا يخلو عن الرجوع ، سواء كان رجوعه للتذكر أو لغيره ، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام الرسول لا لأجل يقين نفسه . فافهم . وقال ابن القصار : اختلفت الرواية في هذا عن مالك ، فمرة قال : يرجع إلى قولهم ، وهو قول أبي حنيفة ، لأنه قال : يبنى على غالب ظنه . وقال مرة أخرى : يعمل على يقينه ولا يرجع إلى قولهم ، كقول الشافعي . ومنها : أن فيه دلالة على أن البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة لقوله : ( لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به ) . ومنها : أن فيه حجة لأبي حنيفة ولغيره من أهل الكوفة على أن : من شك في صلاته في عدد ركعاتها تحرى لقوله : ( فليتحر الصواب ) ، ويبني على غالب ظنه ولا يلزمه الاقتصار على الأقل ، وهو حجة على الشافعي ومن تبعه في قولهم فيمن شك : هل صلى ثلاثاً أم أربعاً مثلاً ؟ لزمه البناء على اليقين ، وهو الأقل فيأتي بما بقي ويسجد للسهو . فإن قلت : أمر الشارع بالتحري وهو القصد بالصواب ، وهو لا يكون إلاَّ بالأخذ بالأقل الذي هو اليقين ، على ما بينه في حديث أبي سعيد الخدري عن رسول ا : ( إذا صلى أحدكم فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً فليبن على اليقين ويدع الشك . . . ) الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة . قلت : هذا محمول على ما إذا تحرى ولم يقع تحريه على شيء ، ففي هذا نقول : يبني على الأقل لأن حديثه ورد في الشك ، وهو ما استوى طرفاه ولم يترجح له أحد الطرفين ، ففي هذا يبنى على الأقل بالإجماع ، فإن قلت : قال النووي في دفع هذا : إن تفسير الشك هكذا اصطلاح طار للأصوليين ، وأما في اللغة فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى شكاً ، سواء المستوي والراجح والمرجوح ، والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية ، أو عرفية ، فلا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح . قلت : هذا غير مجدٍ ولا دافعٍ ، لأن المراد الحقيقة العرفية ، وهي أن : الشك ما استوى طرفاه ، ولئن سلمنا أن يكون المراد معناه اللغوي فليس معنى الشك في اللغة ما ذكره ، لأن صاحب ( الصحاح ) فسر الشك في باب : الكاف ، فقال : الشك خلاف اليقين ، ثم فسر اليقين في باب : النون ، فقال : اليقين العلم ، فيكون الشك ضد العلم ، وضد العلم الجهل ، ولا يسمى المتردد بين وجود الشيء وعدمه جاهلاً ، بل يسمى شاكاً ، فعلم ، أن قوله : وأما في اللغة فالتردد بين وجود الشيء وعدمه يسمى شكاً هو الحقيقة العرفية لا اللغوية . ومنها : أن فيه دليلاً على أن سجود السهو يتداخل ولا يتعدد بتعدد أسبابه ، فإن النبي تكلم بعد أن سها ، واكتفى فيه بسجدتين ، وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء ، ومنهم من قال : يتعدد السجود بتعدد السهو . ومنها : أن فيه دليلاً على أن سجود السهو في آخر الصلاة : لأنه لم يفعله إلاَّ كذلك ، وقيل : في حكمته : إنه أخر لاحتمال سهو آخر فيكون جابراً للكل ، وفرع الفقهاء على أنه لو سجد ثم تبين أنه لم يكن آخر الصلاة لزمه إعادته في آخرها ، وصوروا ذلك في صورتين . إحداهما : أن يسجد للسهو في الجمعة ثم يخرج الوقت وهو في السجود الأخير فيلزمه إتمام الظهر ويعيد السجود . والثانية : أن يكون مسافراً فيسجد للسهو وتصل به السفينة إلى الوطن أو ينوي الإقامة فيتم ثم يعيد السجود . الأسئلة والأجوبة منها ما قاله الكرماني : فإن قلت : قوله : ( وسجد سجدتين ) دليل على أنه لم ينقص شيئاً من الركعات ولا من السجدات وإلا لتداركها فكيف صح أن يقول إبراهيم : لا أدري ؟ بل تعين أنه زاد إذ النقصان لا يجبر بالسجدتين ، بل لا بد من الإتيان بالمتروك أيضاً ؟ قلت : كل نقصان لا يستلزم الإتيان به بل كثير منه ينجبر بمجرد السجدتين ، ولفظ : نقص ، لا يوجب النقص في الركعة ونحوها . قلت : قد ذكرنا فيما مضى عن الحميدي أنه قال : بل زاد ، وكانت زيادته أنه صلى الظهر خمساً . كما ذكره الطبراني ، فحينئذٍ كان سجوده لتأخير السلام ولزيادته من جنس الصلاة ، وقوله : إذ النقصان لا ينجبر بالسجدتين ، غير مسلم ، لأن النقصان إذا كان في الواجبات أو في تأخيرها عن محلها أو في تأخير ركن من الأركان ينجبر بالسجدتين . وقوله : بل لا بد من الإتيان بالمتروك ، إنما يجب إذا كان المتروك ركناً ، وأما إذا كان من الواجبات ومن السنن التي هي في قوة الواجب فلا يلزمه الإتيان بمثله ، وإنما ينجبر بالسجدتين . ومنها ما قاله الكرماني أيضاً : فإن قلت : الصواب غير معلوم ، وإلاَّ لما كان ثمة شك ، فكيف يتحرى الصواب ؟ قلت : المراد منه : المتحقق والمتيقن ، أي : فليأخذ باليقين . قلت : هذا الذي قاله بناء على مذهب إمامه ، فإنه فسر الصواب بالأخذ باليقين ، وأما عند أبي حنيفة : المراد